السيد محسن الأمين
69
أعيان الشيعة ( الملاحق )
لزم منه تكفير غالب الأمة سيما المتأخرين المصرحين بأنه مندوب الا انهم لا يقولون بهذا اللازم غير صحيح ( أولا ) لمخالفته لتصريحاتهم التي لا تقبل التأويل ( ثانيا ) ان تكفير غالب الأمة ليس بلازم المذهب بل هو عين المذهب فان مذهبهم ان كل من توسل أو تشفع بمخلوق فقد أشرك فإذا كان المسلمون يفعلون ذلك فمذهبهم انهم مشركون بطريق الصراحة ودلالة المطابقة لا بطريق اللزوم وقياسه على مسألة التجسيم إن صحت قياس مع الفارق فالقائل بجهة العلو لا يصرح بالتجسيم لكن يلزم من جهة العلو الجسمية ولكن لا يلزم ان يكون القائل بجهة العلو قائلا بالتجسيم لجواز ان يعتقد الشخص شيئا ولا يعتقد بلازمه بل إذا سئل عن لازمه يبرأ منه ولذلك لم يكن لازم المذهب مذهبا بخلاف ما نحن فيه إذ مذهب الوهابية ان المتشفع والمتوسل بغير الله مشرك وهذا شامل بوجه العموم والدلالة المطابقية لمن يقول يا رسول الله اشفع لي لا بوجه الملازمة ولا يمكن الجمع بين القول بان من تشفع بغير الله مشرك ومن قال يا رسول الله اشفع لي ليس بمشرك بل هو تناقض صريح محال بخلاف الجمع بين القول بجهة العلو والقول بعدم الجسم فإنه ممكن واقع . وان أرادوا انهم لا يكفرون من يعتقد رجحان التشفع إذا لم ينطبق به ففيه ( أولا ) انه إذا كان سؤال الشفاعة كفرا وشركا لزم ان يكون معتقد جوازه كافرا مشركا وان لم يتلفظ بالسؤال فهو كمن يعتقد جواز السجود للصنم وان لم يسجد والكفر كما يكون بالأعمال يكون بالاعتقاد ( ثانيا ) ان هذا لو سلم لا ربط له بمسالة كون لازم المذهب ليس بمذهب ( ثالثا ) انه لا يوجد بين المسلمين من لم يقل طول عمره يا رسول الله أسألك الشفاعة ولم يهتف باسمه ولم يستغث ولم يتوسل به ولم يفعل شيئا مما يرونه كفرا وشركا بل اعتقد جوازه فقط ولم يفعله وهم قد قطعوا بان من قال ذلك مشرك مهدور الدم كما صرحوا به في نفس السؤال فقد قطعوا بان جميع المسلمين مشركون مهدورة دماؤهم ولم ينفع هذا الاعتذار مهما أكثر صاحب المنار فوقه من الخطوط المستطيلة ليزيد في ظهوره للأبصار وجلوته للأنظار ( اما ) تقييده التكفير ببلوغ الدعوة الوهابية وقيام الحجة مع الإصرار مستكبرا معاندا فهو مخالف لما ذكره أبوه وغيره كما عرفت من اطلاق اسم الكفر والشرك والارتداد ونحو ذلك على عامة المسلمين من دون تقييد بذلك في مواضع تنبو عن الحصر بل عرفت تصريح الصنعاني أحد مؤسسي مذهبهم بان كفر المسلمين أصلي لا ارتدادي وكل ذلك مبطل لهذا العذر الواهي وجميع الوهابيين لا يخاطبون المسلمين الا بقولهم يا مشرك من غير نظر إلى قيام الحجة على المخاطب وعدمه وسمعت بعض النجديين في مجلس صديقنا الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي ( ره ) بمحضر صديقنا الشيخ عبد الرزاق البيطار ( ره ) يقول قرر الاخوان ان لا يخاطبوا أحدا الا بقول يا مشرك حتى لو أراد أحدهم شراء لبن بعشر بارأت فعليه ان يقول يا مشرك أعطني لبنا بعشر بارأت فمع كل هذه التصريحات لا ينفع هذا الاعتذار عن الوهابيين شيئا ( اما اعتذاره ) عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم بلوغ الدعوة لهم وتنظيره بغلط عمر في المهر والصحابة في ذات أنواط ففيه ان معتقد الكفر والشرك غير معذور لقيام الحجة عليه من العقل والنقل قبل ان يخلق الله الوهابيين ولو كان معذورا لعذر عبدة الأصنام من أهل الجاهلية الذين ماتوا في الفترة ولم يقل أحد بعذرهم مع أن بلوغ الدعوة المعتبر انما هو بلوغ الدعوة النبوية إلى التوحيد وترك عبادة الأوثان وهذا قد حصل ومع ذلك فقد بقي المسلمون مصرين على عبادة الأوثان بقولهم نسألك الشفاعة يا رسول الله وجهلهم بأنه شرك لا يكون عذرا كجهل من 69 عبد الأصنام بعد الإسلام والمجتهد معذور مثاب وان أخطأ في الفروع لا في الأصول ومن ذلك يظهر بطلان التنظير بغلط عمر في المهر لأنه في مسألة فرعية لا في مسألة اعتقادية توجب الشرك ( واما التنظير ) بغلط الصحابة وبينهم النبي ( ص ) في ذات أنواط فنقول لو لم يرجعوا عن ذلك لأشركوا فبطل التنظير ( واما اعتذاره ) عن عدم كفر من حرر الأدلة وعرف كلام الأئمة ومات مصرا بأنه لم يكن في زمانه وهابية يناضلون باللسان والسيف والبنادق فلم تقم عليه الحجة فغير صحيح لما عرفت من أنه يكفي في قيام الحجة أدلة الشرع من العقل والنقل بعد ما أكمل الله الدين وأتم الحجة قبل خلق الوهابية ( ثم ) ان هؤلاء المسلمين الذين يكفرهم الوهابية ويشركونهم يعتقدون ان حججهم أقوى من حجج الوهابية وان الوهابية مخطئون وكلهم يقولون لو ظهر لنا صحة أقوال الوهابيين لاتبعناها فكيف قامت عليهم الحجة وبقوا مصرين معاندين اللهم الا أن تكون حجة السيف والبنادق ( وآية السيف تمحو آية القلم ) وليس مع الوهابية معجز تقوم به الحجة كما كان مع الأنبياء ولو كانت الحجة تقوم باللسان والسنان لما احتاج الأنبياء إلى المعجز كما لم يحتج اليه الوهابية ولو كانت الحجة لا تقوم الا بالسيف والسنان لكان الذين قبل منهم النبي ( ص ) الجزية ولم يجبرهم على الإسلام لقوله تعالى : ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) معذورين لأنهم لم تقم عليهم الحجة ونسبته إلى علماء المسلمين انهم تواطئوا على هجر كلام أئمة السنة والاعراض عنه افتراء وسوء أدب وإذا كان منتهى قيام الحجة المناضلة باللسان والسيف والسنان لم يكن معاوية وأصحابه معذورين فقد ناضلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع باللسان والسيف والسنان فكيف عذرتهم الأمة وأثبتت لهم أجر الاجتهاد ( واما قوله ) لا نكفر من صحت ديانته إلخ وان أخطا في هذه المسألة فكيف تصح ديانته ويعتمد على نقله وقد اعتقد الكفر والشرك وفعل ما يوجبه وما ينفعه مع ذلك التدريس والتأليف ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) * . وممن رام ستر الحقائق وانكار تكفير الوهابيين للمسلمين بكلام هو إقرار واعتراف بتكفيرهم للمسلمين ولم يبال بالتناقض الصريح الواقع في كلامه وكلامهم صاحب المنار في مجموعة مقالاته ( الوهابيون والحجاز ) فإنه قال « 1 » ان الأمير فيصلا نجل السلطان عبد العزيز آل سعود نشر بلاغا في شوال سنة 1342 جاء فيه ان أهل نجد يوافقون إخوانهم أهل مصر والهند في وجوب عرض مسألة الخلافة على مؤتمر يمثل الشعوب الإسلامية تمثيلا صحيحا . وتعقبه صاحب المنار بقوله فهذه تصريحات قطعية ونصوص لا تحتمل التأويل بان أئمة نجد وحكامها يعدون جميع الشعوب الإسلامية إخوانا لهم خلافا لما يفترى عليهم من عدم اعتراف النجديين لأحد بالإسلام غير الوهابيين انتهى ووصف في المجموعة المذكورة « 2 » مؤتمر الشورى المنعقد في الرياض في ذي القعدة سنة 1342 وانه اجتمع فيه كبار علماء البلاد وزعماؤها ورؤساء الأجناد وقوادها وتذاكروا في امر الحج وان السلطان ابن سعود أجابهم بما معناه ان شريف مكة قد لا يمنعكم من الحج ولكنه يخشى وقوع فتنة في الموسم وفيه المسلمون من كل جنس إلخ ثم قال ما نصه : وفي تصريح السلطان عبد العزيز نص قطعي باعترافه هو وعلماء بلاده بإسلام جميع الشعوب الإسلامية والرغبة في التعارف والتواد معها هذا كلامه ( معزى
--> ( 1 ) صفحة 37 . ( 2 ) صفحة 38 - 41 .